مخاطر كبرى وضوابط موؤودة
تحليل – بداية النهاية المادية مع إبستاين
تحليل
منذ بداياتِ الغفلةِ الحضاريةِ الإسلامية، وغَلَبَةِ الظلماتِ على أنوارِ النهضةِ الأوروبية، بدأ التهوينُ من شأن تغييبِ منظومةِ القيمِ والأخلاق، والترويجِ لربط الحرية بانتشار المطامعِ المادية، وعبادة النزواتِ الرخيصة؛ هذا مع تصويرِ الانحرافاتِ وكأنها اجتهادات، وإعطاءِ الصدارة للشذوذ في تقييمِ الفنونِ الحداثية، فأصبح الانحطاطُ هدفا، يبرّرُ تغييبَ الضوابطِ والمعاييرِ والتزامِها، وبات تعديلُ القوانينَ باسمِ البراغماتية، مدخلاً لِتأليهِ أنانيةِ المنافعِ الذاتيةِ العدوانية.
تلك شريحةٌ محدودةٌ جدّاً من خارطةِ هيمنةٍ علنيةٍ وخفية، للماديةِ المريضة، ولِتحكّمِها بمصائرِ الأسرةِ البشريةِ في عالمِنا المعاصر، ولا غرابةَ أن يصلَ ذلك إلى مداهُ الآن، فيما يوصَفُ بقضيةِ إبْستاين، وما تكشفُهُ من ممارساتٍ دنيئة، وسلوكياتٍ همجيةٍ كريهة.
الأخطرُ من ذلك هوَ الاعتيادُ على الاكتفاءِ بإدانةِ وأدِ القيمِ والأخلاق، ووضعِها في الأكفانِ والتوابيتِ المادية، حتى وصلنا إلى انشغالِ معظمِنا بكشفِ ما وصلتْ إليهِ غالبيةُ من يسيطرونَ على مفاصلِ صناعةِ القرارِ الدولي، في مختلفِ الميادين، ومن يَضَعون المخططاتِ الكبرى لحمايةِ شبكاتٍ أخطبوطية، تمارسُ أبشعَ أشكالِ الجرائمِ الهمجيةِ الحديثة، سرا وعلنا.
كلا.. ليست القضية مجردَ جريمةٍ همجية، وكشفِها، وإدانتِها، بلِ القضيةُ في جوهرها، أنّنا نرى في الأفُقِ أخطرَ انهيارٍ لحقبةٍ ماديةِ مدنية، تمردتْ منْ بدايةِ نشأتِها على جوهرِ دورةِ الحضاراتِ الإنسانية، ولكن لا نرى ما يبشرُ بالبديلِ الأفضل، وبنهوضٍ حضاري، يعيدُ الإنسانَ إلى موقعه في القلبِ من مسارِ الرقيّ والتقدّم، ويعيدُ لمنظومةِ القيمِ والأخلاقِ دورَها الحاسم، في التربيةِ الفرديةِ والجماعية، على حمايةِ الضوابطِ المانعةِ من الانحرافِ والشذوذِ والسقوط.
إن أخطر جوانبِ التعاملِ مع ما سُمّي قضية إبستاين، هو الاستغراقُ في التفاصيلِ والجزئيات، والفروعِ والتداعيات، على حسابِ المضيّ في طريق البناءِ المتجدّد، على محورٍ قيميّ أخلاقي، وفكريّ سلوكي، يحمي التقدمَ المادي والتقني، من الشذوذِ والانحراف، فآنذاك نخدمُ الإنسان بدلا منِ استخدامِه، ونحرّرُهُ بدلاً منِ استعبادِه، ونعيدُ إليه نبضَ الكرامةِ والعزّة، والحريةِ والعدالة، بدلاً من وَأدِ إنسانيتِه.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب